Jane Doe

قال عالما فيزياء أنّهما نجحا في تحويل الهيدروجين إلى معدنٍ لمّاعٍ عبر تطبيق ضغطٍ مرتفعٍ عليه، وهو الأمر الّذي ظلّ علماء الفيزياء يحاولون إنجازه لأكثر من ثمانين سنةً. إلّا أنّ الشكوك حول صحّة هذا الادّعاء لا زالت تراود العلماء.


ونشر رانغا دياس وإسحاق سيلفيرا، وهما عالما فيزياء من جامعة هارفرد، تقريراً بنتائجهما لأوّل مرّةٍ في موقع arXiv في أكتوبر/تشرين الأوّل من العام الماضي، وسرعان ما تلقّت نتائجهما النّقد، كما نشرت مجلّة Science تقريراً مُراجَعاً من قبل الزّملاء Peer-reviewed في 26 كانون الثّاني/يناير، ولكنّ المشكّكين قالوا أنّه لا يحوي سوى بضع معلوماتٍ جديدةٍ.
وقد أعرب خمسة خبراء في حديثهم مع فريق مجلة Nature الإخباريّ عن عدم تصديقهم للادّعاء الجديد، وأشاروا إلى أنّهم بحاجةٍ لرؤية المزيد من البراهين على صحّته، حيث قال بول لوبير، عالم الفيزياء في هيئة الطّاقة الذّرّيّة الفرنسيّة FAEC: "أعتقد أنّ الورقة البحثيّة الّتي نُشِرت غير مقنعةٍ بتاتاً." هذا وقد أشار دياس وسيلفيرا إلى أنّهما أرادا أن ينشرا نتائجهما الأوّليّة قبل أن يجريا المزيد من الاختبارات على مادّتهم سريعة العطب.

حلم إنتاج الهيدروجين المعدنيّ الصّلب:
لقد كان إنتاج الهيدروجين المعدنيّ الصّلب في المختبر حلماً للباحثين في مجال الضّغط العالي منذ عام 1935، عندما توقّع علماء الفيزياء النّظريّة وجوده. فعندما نطبّق على الهيدروجين ضغطاً مرتفعاً بما فيه الكفاية، فسوف يغدو بإمكانه أن ينقل التّيّار الكهربائيّ، وهي سِمَةٌ مميّزةٌ للحالة المعدنيّة، ويقول علماء الفيزياء النظرية أنّ بإمكان المادّة النّاتجة أن تمتلك أيضاً صفاتٍ أخرى غريبةً، كالنّاقليّة الفائقة Superconductivity ــ ممّا يسمح لها بنقل الكهرباء بلا مقاومةٍ ــ حتّى في درجة حرارة الغرفة.

إذا تمكّن العلماء من إنتاج الهيدروجين المعدنيّ، فقد يصبحون قادرين على دراسة علوم الكواكب وهم في المختبر، إذ يُعتَقد نظريّاً أنّ الكواكب الغازيّة العملاقة، مثل كوكب المشتري، تحتوي في مركزها على الهيدروجين المعدنيّ، ممّا قد يفسّر سبب بقاء حقلها المغناطيسيّ.
لقد قام العلماء في السّنوات الأخيرة بضغط ذرّات الهيدروجين بين سندانين من الألماس، بقوّة ضغطٍ أكبر بكثيرٍ من قوّة الضّغط في مركز الأرض، ولكنّ التّجربة حسّاسةٌ، واحتمال وقوع الخطأ فيها كبيرٌ، وقد شاهد الباحثون المادّة وهي تتحوّل من شفّافةٍ إلى عاتمةٍ أثناء انضغاطها، ممّا يوحي بأنّ الإلكترونات المحتشدة بجانب بعضها تصبح قادرةً على امتصاص فوتونات الضّوء المرئيّ، ولكن لم يبرهن أحدٌ على وجود الهيدروجين المعدنيّ اللّمّاع الّذي يعكس الضّوء. وفي عام 2011، أثار تقريرٌ [ http://www.nature.com/…/metallic-hydrogen-hard-pressed-1.10… ] نشره علماء من معهد ماكس بلانك للكيمياء في ألمانيا الجدلَ، وقال ميخائيل إيريمتس، قائد المجموعة، أنّ فريقه لم يقدّم بعد دليلاً حاسماً.
وقال "سيلفيرا" و"دياس" أنّهما تمكّنا من ضغط غاز الهيدروجين إلى درجاتٍ لم يسبق لأحدٍ الوصول إليها، وكي يفعلا ذلك، استخدما سنداناً يمكنه أن يتّسع داخل ناظم البرد (جهازٌ يحافظ على درجات حرارةٍ منخفضةٍ جدّاً) Cryostat، ممّا مكّنهما من تبريد عيّنة الهيدروجين إلى درجةٍ تفوق الصّفر المطلق بقليلٍ، كما توصّلا إلى طريقةٍ أفضل لصقل ألماسات السّندان، للتخلّص من الشّذوذات الّتي قد تسبّب تحطّمها. بعد ذلك طبّقا ضغطاً قدره 495 مليار باسكالٍ على الهيدروجين، أي ما يعادل خمسة ملايين ضعف الضّغط الجويّ عند سطح البحر، فتحوّل فجأةً إلى مادّةٍ لمّاعةٍ عاكسةٍ لا يَحسَبها النّاظر إلّا معدناً.

أعيدوا القياسات!
لقد عبّر الباحثون الآخرون عن عدم اقتناعهم بالنّتائج، وقال أليكساندر غونتشاروف، عالم الجيوفيزياء في معهد كارنيغي للعلوم في واشنطن، بأنّه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت المادّة الّتي رآها الباحثون هي الهيدروجين الصّلب بالفعل. "غونتشاروف" الّذي سبق له أن انتقد طرائق مختبر سيلفيرا، أشار إلى أنّ المادّة اللّمّاعة قد تكون الألومينا (أوكسيد الألمنيوم) Alumina، الّتي تغلّف أطراف الألماسات في السّندان، والّتي قد تسلك سلوكاً مختلفاً تحت الضّغط.


من جهةٍ أخرى، يعتقد "لوبير" وآخرون أنّ "سيلفيرا" و"دياس" يبالغان في قيمة الضّغط الّتي وصلا إليها، مُعتَمِدَينِ على قراءاتٍ غير دقيقةٍ، وأضاف يوجين غريغوريانز، عالم الفيزياء في جامعة إدنبره في المملكة المتّحدة، بأنّ جزءاً من المشكلة يكمن في أنّ الباحثَينِ أخذا قراءةً واحدةً مفصّلةً لعيّنتهم عندما كانت قيمة الضّغط أعظميّةً، ممّا صعَّب متابعة تبدّل الضّغط خلال التّجربة.

يقول لوبير: "إذا أرادوا إقناعنا، عليهم أن يعيدوا القياس، وأن يقيسوا تطوّر الضّغط، ومن ثمّ عليهم أن يبيّنوا أن الألومينا لم تصبح معدنيّةً ضمن مجال الضّغط المستخدم."
من جهته قال "سيلفيرا" أنّه أراد فقط نشر الخبر قبل إجراء اختبارات التّأكّد الّتي يخشى أن تؤدّي إلى إفساد العيّنة الثّمينة الّتي بحوزته. وأشار إلى أنّه يحتفظ بهذه العينة داخل ناظم بردٍ، وأنّه سيجري المزيد من التجارب بعد أن قُبِلت الورقة البحثيّة الّتي تقدّم بها. 


وعلى الرّغم من الشّكوك الّتي أبداها العلماء، فإنّ التّقرير والموادّ الصّادرة عن جامعة هارفرد ومجلّة Science تصرّح بثقةٍ بأنّ الباحثَينِ نجحا في إنتاج الهيدروجين المعدنيّ الصّلب، وقال "سيلفيرا" في البيان الصّادر عن جامعة هارفرد: "إنّ هذا الإنجاز هو بمثابة الكأس المقدّس في فيزياء الضّغط العالي. هذه العيّنة هي أوّل عيّنة هيدروجينٍ معدنيٍّ على الأرض على الإطلاق."