Jane Doe

"أعاني من أفكارٍ لا أستطيع التّخلّص منها"

"لا أريد هذه الأفكار والاحاسيس والتصرفات لكنّي أجد نفسي دائما واقعاً بها"

"بات الأمر يؤثّر على حياتي"

هذه هي بعض أفكار وهموم الشّخص المصاب باضطراب الوسواس القهري ويقع الاسوأ حين لا يدرك هذا الاخير أنّه يعاني من مشكلة أو حين يكون فرداً من عائلة معظم أفرادها يعانون من هذا الاضطراب فيعتقد أنّ الأمر طبيعي.

سنفصّل اليوم في هذا المقال، وهو الرّابع من سلسلة الّطبّ النّفسي، هذا المرض من النّاحية الطّبّية والنّفسيّة لتوجيه الضّوء عليه وتجسيد معاناة الأشخاص المصابين به بطريقة علميّة وحثّهم على العلاج الذّي سنتناوله أيضاً.

ينتمي الوسواس القهري (obsessive compulsive disorder) لعائلة اضطرابات القلق (anxiety disorders) وهو اضطراب عصابي غير ذهانيّ أي أنّه لا يؤدّي للخروج عن الواقع (كما في الفصام) وحيث يعرف المصاب به أنّه يعاني من مشكلة معيّنة.

ما هو الوسواس(obsession) ؟ قد يكون الوسواس فكرةً، احساساً، صورةً أو اندفاعاً يثير القلق والانزعاج، حيث يعرف أكثر المصابين بالوسواس القهري أنّه نابعٌ منهم ولا يحاكي الواقع وأقلّية منهم تعتقد أنّه يقارب حقيقة الأمور، ما نسمّيه النقص في القدرة على الاستبصار (lack of insight). الوسواسات الأكثر شيوعاً هي تلك المتعلّقة بالتّعرّض للتّلوّث أو للأذى، إلحاق الاذى بالآخر، الحاجة للدّقّة والتّناسق، الأفكار الدّينيّة والجنسيّة الممنوعة، الأفكار الوجوديّة والفلسفيّة.

ما هو القهر (compulsion)؟

 هي تصرّفات ذهنيّة أو عمليّة يفعّلها الشّخص بناءً على وسواسه، تتميّز بالتّكرار وتهدف لتخفيف حدّة القلق والضّغط الذين سبّبهما هذا الوسواس كتنظيف اليدين عدّة مرّات ردّاً على وسواس المايكروبات، إيقاف السّيّارة بجانب الطّريق للتّأكّد من عدم إصابة أحدهم بالسّيّارة، تكرار بعض الجمل أو الحركات أو الأغاني لتخدير القلق، التّأكّد أنّ كلّ شيئ على ما يرام تفادياً للمصيبة، ترتيب الأغراض من الأصغر للأكبر أو بطريقة متناسقة لتفادي الانزعاج....

لماذا اضطراب(disorder) ؟

 كثيرون يعانون من أفكار متكرّرة لكنّها لا تؤثّر سلباً على حياتهم بل ممكن أن تساعدهم على القيام بالأمور اليوميّة، ما نسمّيه الشّخصيّة الوسواسيّة(obsessive personality)، يصبح الأمر اضطراباً حين تأخذ الوسواسات مساحةً كبيرةً من التّفكير ووقتاً طويلاً للقيام بالتّصرّفات التّي تهدّئها وحين يُرفَق عدم القيام بهذه التّصرّفات بكثير من الانزعاج والارتباك. فيتمّ التشخيص بهذا الاضطراب في حال قضاء أكثر من ساعةٍ يوميّاً على الوسواسات والتّصرّفات القهريّة كما تأثيرها على الوظائف اليوميّة.

يصيب هذا الاضطراب حوالي 2.6% من الأشخاص، معدّل سنّ بدئ العوارض هو 199 سنة ويصيب النّساء أكثر من الرّجال.

قد يحتمل وجود الوسواسات بدون عادات قهريّة، أو وجود عرّة معيّنة ticc) وهي حركة أو صوت فجائيّ وجيز ومتقطّع عند ثلث المصابين بهذا الاضطراب (كعرّة الغمز مثلاً). قد نجد أيضاً اضطرابات عدّة في عائلاتهم كاضطراب تشوّه الجسم(body dismorphic disorder) ، هوس اقتلاع الشّعر أو الوخز...

تتعدّد أسباب هذا الاضطراب، هناك أسباب بيولوجيّة (تغيّرات في كيمياء أو وظائف الدّماغ)، أسباب جينيّة (لا تزال الأبحاث في مجال ايجاد الجينات المسؤولة سارية وقد يشارك جيني SLCA1 وhSERT بظهور هذا المرض)، أسباب اجتماعيّة كالتّعرّض لضغوطات وصعوبات سابقة كما هناك أسباب نفسانيّة.

يتميّز هذا الاضطراب بمبدأ الكلّ أو اللّاشيئ حيث لا يقبل هذا الشّخص بالتّصرّفات أو الواجبات اليوميّة النّاقصة، فامّا يؤدّي عمله كما يريد أو يتقاعص ويرفض هذا العمل إذا كان دون التّوقّعات.

يفسّر علماء الأعصاب هذا الاضطراب على أنّه خلل في ايقاف الدّائرة المتكوّنة بين القشرة الجبهيّة (frontal cortex) والوطاء(hypothalamus) والتّلفيف الحزامي(cingulate gyrus) وهي دائرة بابيز(papez circuit). يعتمد ايقاف هذه الدّائرة على السّيروتونين(serotonin)، وحين يفتقر الانسان للسيروتونين تدور الفكرة أكثر من مرّة في هذه الدّائرة ما يجعل الانسان غير قادر على التّخلّص منها فتتحوّل لوسواس.

تتعدّد التّفسيرات النّفسانيّة لهذا الاضطراب. يعتقد البعض أنّ المرحلة الشّرجيّة من مراحل النّموّ النفسيّ-جنسيّ الذّي وصفها فرويد تشارك في ظهور هذا الاضطراب إذا كان الشّخص معرّضاً له، هذه المرحلة تتميّز بالفوضة وباللّذّة بالتّغوّط. يفرض الأهل في هذه المرحلة على الطّفل التّحكّم بالتّغوّط، وتتحوّل لذّة التّغوط للذّة التّحكّم، ويعمّم الدّماغ هذا التّحكّم كي يصبح تحكّم بكلّ أمور الحياة ما يجعل الانسان اكثر عرضة لهذا الاضطراب او للشّخصيّة الوسواسيّة اذا لعب الأهل دوراً صارماً في هذه المرحلة.

إنّ هذا الاضطراب مؤلمٌ لكون المصابين به غير قادرين على تجنّب الوسواسات والتّصرّفات القهريّة، وعلاجه ممكن بالعلاج المعرفي السّلوكي (cognitive and behavioral therapy) والأدوية (SSRIs)، ما يظهر أهمّيّة فهمه لنشرالوعي على ضرورة استشارة طبيب معالج بهدف إعطاء نوعيّة حياة أفضل لهؤلاء الاشخاص.